السيد الخميني
24
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني )
التغرب إذا استطعنا تحقيق مثل هذا الاستقلال الفكري ، والاعراض عن هذه الحضارة الفاسدة والمفسدة ، فإننا سنصل بالتدريج إلى الاكتفاء الذاتي . والشيء الذي لا يسمح لنا أن نكون مكتفين ذاتياً في كل جانب إنما هو الارتباط والتبعية . وإذا اتخذ شعبٌ الغربَ قبلة له فإنه لا يتكلم إلّا وهو مول وجهه شطره . فحينما كنت في تركيا ، رأيت يد تمثال أتاتورك « 1 » ممدودة نحو الغرب - - كما قال لي من كان هناك - - ، فكأنه يقول : يجب أن نأخذ كل شيء من الغرب . وكذلك كان أحد « 2 » علمائنا - - كما كان يسمى سابقاً ثم توفي - - كان يقول : في إيران لا نستطيع اصلاح أنفسنا إلّا بعد أن تكون جميع أمورنا إنجليزية . مثل هذه العقول تعتقد أنّ كل شيء من الغرب . ومما يؤسف له أنّ الدعايات التي استمرت طيلة سنين رسّخت في أذهاننا الاعتقاد بأننا لسنا بشراً قادرين على شيء . إذ فرضوا علينا أنه إذا أصيب شخص بعارض قلبي ، فعليه أن يذهب إلى أوروبا ، وإذا أراد شخص أن يتعلم شيئاً ، قيل له : إذهب إلى أوروبا . في حين أنكم إذا قارنتم هؤلاء الذين ذهبوا إلى أوروبا للدراسة - - كما يتخيلون هم - - بأولئك الذين درسوا هنا دراسة صحيحة ، تجدون أنّ الذي ذهب إلى أوروبا إنما ذهب للتنزه وللحصول على شهادة ، ثم يعود إلى هنا ويفرض نفسه على الناس ، فهو إنما ذهب ليأخذ شهادة تجيز له أن يفرض نفسه على الناس . إنّ شهادة الدبلوم التي يعطونها لشباننا أسهل من التي يعطونها لشبانهم ، وفي زمن دراسي أقل . وذلك لأنهم يريدون أن يصيروا علماء ، لكنهم لا يريدون لنا ذلك . لقد جعلونا في حالة يكون كل شيء منهم ولا شيء من عندنا . الطب والحضارة الشرقية في أوروبا يجب أن نثبت للعالم أننا بشر ، ولنا وجود في هذه الحياة ، وأنّ الشرق له شأنه ايضاً ، وليس الغرب وحده ، وأن خزائن الشرق أكثر من بقية الأماكن ، ومفكّروه كانوا أكثر من مفكري البلاد الأخرى . لقد كان الغرب يأخذ الطب من الشرق ، واستمر ذلك إلى الوقت الذي
--> ( 1 ) مصطفى كمال باشا ( 1299 - - 1357 ه - - . ش ) الملقب ب - - ( آتا تورك ) ( أبو الترك ) ، كان قائد قوات دفاع الدردنيل . وقد حرضه الإنجليز على التمرد على الدولة العثمانية ، فحوّل السلطنة العثمانية الدستورية إلى نظام جمهوري ، وسمى البلاد العثمانية ( تركيا ) ، وبقي في منصب رئيس الجمهورية منذ سنة ( 1302 ه - - . ش ) إلى آخر عمره . وسعى طيلة مدة رئاسته إلى إشاعة الثقافة الغربية ونشرها وفصل الدين عن السياسة ، والدعوة إلى السفور ، ومنع التزي بالزي الديني ، وتبديل الحروف الوطنية بالحروف اللاتينية ، وغلق المدارس الدينية والمساجد . وذلك سعياً منه إلى عزل الإسلام عن المجتمع . ( 2 ) السيد حسن تقي زادة .